تحول في موقف شرق ليبيا يعيد الاتفاق البحري مع تركيا إلى الواجهة.. وأثينا وبروكسل تعترضان

مجلس النواب الليبي يلغي رفضه السابق للمذكرة الموقعة عام 2019 وسط تصاعد الخلافات بشأن ترسيم الحدود وحقوق التنقيب في شرق المتوسط

في خطوة تعكس تحولاً في موقفه من أنقرة، صادق مجلس النواب الليبي، المتمركز في شرق البلاد، الثلاثاء، بالإجماع على مذكرة التفاهم الخاصة بتحديد الصلاحيات البحرية بين ليبيا وتركيا، بعد سنوات من رفضها، ما أعاد ملف الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط إلى واجهة التوترات الإقليمية.

وأعلن المتحدث باسم المجلس، عبد الله بليحق، أن النواب أقروا مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بين حكومة الوفاق الوطني الليبية والحكومة التركية، كما وافقوا بالإجماع على إلغاء القرار الصادر عام 2020، الذي رفض المصادقة على الاتفاقين البحري والعسكري بين الجانبين.

ويأتي القرار في ظل تطور العلاقات بين السلطات في شرق ليبيا وأنقرة، بعد سنوات من الخلاف بشأن الاتفاق الذي أثار اعتراضات إقليمية ودولية، خصوصاً من اليونان ومصر وقبرص، بسبب انعكاساته على مطالبات السيادة البحرية وحقوق استكشاف موارد الطاقة.

تقارب ليبي تركي بعد سنوات من الخلاف

وقّعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية، برئاسة فائز السراج آنذاك، مذكرتي تفاهم في نوفمبر 2019، تناولت إحداهما التعاون الأمني والعسكري، فيما حددت الأخرى نطاقات الاختصاص البحري بين البلدين في البحر المتوسط.

وأثار الاتفاق البحري اعتراضات واسعة، في حين اعتبره مجلس النواب الليبي في قراره الصادر عام 2020 مساساً بالسيادة الوطنية، وتمسك حينها بضرورة إخضاع الاتفاقات الدولية للإجراءات الدستورية اللازمة قبل إقرارها.

لكن العلاقات بين أنقرة وبنغازي شهدت خلال الفترة الماضية تحركات دبلوماسية متبادلة، ترافقت مع زيارات واتصالات بين الجانبين، ما أسهم في تهيئة الظروف لإعادة النظر في الموقف من الاتفاق.

ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية في ظل الانقسام السياسي الليبي المستمر منذ عام 2011، بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والسلطات المنافسة في الشرق المدعومة من خليفة حفتر.

اليونان ترفض القرار والاتحاد الأوروبي يجدد اعتراضه

في المقابل، سارعت اليونان إلى رفض مصادقة البرلمان الليبي، معتبرة أن الخطوة لا تمنح الاتفاق أي أثر قانوني، وأن المذكرة تتعارض مع قواعد القانون الدولي للبحار وتمس الحقوق السيادية لدول أخرى في المنطقة.

وقالت الخارجية اليونانية إن ليبيا وتركيا لا تمتلكان سواحل متقابلة أو متجاورة تبرر، وفق موقف أثينا، الترسيم البحري الوارد في الاتفاق، مشيرة إلى أن المذكرة لا تراعي الحقوق البحرية للجزر اليونانية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقانون الدولي العرفي.

وأكدت أثينا أنها أبلغت شركاءها وحلفاءها بموقفها، وأنها ستتخذ الإجراءات المناسبة للدفاع عن حقوقها السيادية، داعية ليبيا إلى تجنب خطوات من شأنها زيادة التوتر في شرق المتوسط.

من جهته، أعاد الاتحاد الأوروبي التأكيد على موقفه الرافض للاتفاق، معرباً عن أسفه لمصادقة البرلمان الليبي عليه، ومجدداً دعمه لليونان وقبرص.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن موقف الاتحاد، الذي سبق أن حدده المجلس الأوروبي عام 2019، لا يزال قائماً، معتبرة أن الاتفاق يمس الحقوق السيادية لدول أخرى ولا يتوافق مع قانون البحار.

ترحيب ليبي وتركي بالخطوة

على الجانب الآخر، حظي القرار بترحيب أطراف سياسية ومسؤولين في شرق ليبيا وغربها، رأوا فيه خطوة تعزز المصالح الليبية في البحر المتوسط وتحافظ على حقوق البلاد البحرية والاستراتيجية.

كما رحبت وزارة الخارجية التركية بمصادقة البرلمان، مؤكدة أن الاتفاق يستند، من وجهة نظر أنقرة، إلى مبادئ القانون الدولي والعدالة، ويعكس المصالح المشتركة بين البلدين.

وقالت الوزارة إن تركيا ستواصل التعاون مع مختلف الشركاء بهدف دعم الأمن والاستقرار والسلام في حوض البحر المتوسط.

ولا يقتصر الخلاف على المذكرة الليبية التركية، بل يمتد إلى شبكة من الاتفاقات والتحركات المرتبطة بترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة واستكشاف النفط والغاز. فقد وقعت اليونان ومصر اتفاقاً لترسيم منطقة اقتصادية خالصة عام 2020، عارضته تركيا، كما أثارت خطط التنقيب عن الطاقة جنوب جزيرة كريت خلافات جديدة بين أنقرة وأثينا.

صراع النفوذ والطاقة في شرق المتوسط

تعكس التطورات الأخيرة استمرار التنافس الإقليمي على تحديد الحدود البحرية وتوزيع حقوق استغلال موارد الطاقة في شرق المتوسط، حيث تتداخل الحسابات الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والأمنية.

ومن شأن مصادقة مجلس النواب الليبي أن تعيد تنشيط الجدل القانوني والدبلوماسي حول مذكرة عام 2019، خصوصاً في ظل الاعتراضات اليونانية والأوروبية، فيما تسعى تركيا إلى تثبيت الاتفاق بوصفه أساساً للتعاون البحري مع ليبيا.

ويبقى المسار الذي ستتخذه القضية مرتبطاً بالتفاعلات الدبلوماسية والقانونية المقبلة، ومدى قدرة الأطراف المعنية على احتواء الخلافات بشأن الحدود البحرية دون توسيع دائرة التوتر في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *