النفط يفقد جزءاً من مكاسبه وسط ترقب التطورات العسكرية والدبلوماسية في الشرق الأوسط

تراجعت أسعار النفط في تعاملات اليوم الاثنين، مبتعدة عن أعلى مستوياتها المسجلة في نحو ستة أشهر، مع انحسار نسبي للمخاوف من تصعيد عسكري جديد بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت لا تزال فيه التوترات الإقليمية والهجمات على السعودية تثير القلق بشأن استقرار إمدادات الطاقة العالمية.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 2.30 دولار، بما يعادل 1.97%، لتسجل 114.42 دولار للبرميل بحلول الساعة 09:22 بتوقيت غرينتش. كما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 2.44 دولار، أو 2.36%، إلى 100.83 دولار للبرميل.

وجاء هذا التراجع بعد مكاسب قوية في نهاية الأسبوع الماضي، إذ ارتفعت الأسعار بنحو ثلاثة دولارات عند التسوية يوم الجمعة، مدفوعة بمخاوف من تداعيات هجمات الحوثيين على منشآت مرتبطة بالبنية التحتية النفطية في السعودية. وعلى أساس أسبوعي، حقق خام برنت مكاسب بلغت 6%، مقابل 2.3% لخام غرب تكساس الوسيط.

تحركات دبلوماسية وسط استمرار المخاطر الأمنية

وتترقب الأسواق نتائج التحركات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التوترات في المنطقة، بعدما توجه وسطاء قطريون إلى طهران يوم الأحد ضمن جهود تهدف إلى خفض التصعيد بالتنسيق مع واشنطن.

كما كان من المقرر عقد اجتماع في طهران، الاثنين، بين مسؤولين إيرانيين وممثلين عن السعودية وتركيا وباكستان، في إطار مساعٍ لتعزيز التواصل السياسي amid التوترات الإقليمية.

ورغم هذه التحركات، لا تزال المخاطر الأمنية قائمة، بعدما أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات استهدفت محطات ضخ على خط أنابيب النفط شرق-غرب ومطار الرياض، فيما أعلنت السلطات السعودية اعتراض مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وفي هذا السياق، قالت فاندانا هاري، مؤسسة شركة «فاندا إنسايتس» لتحليل أسواق النفط، إن تراجع المخاوف من تجدد المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط أسهم في الضغط على الأسعار، محذرة من أن الهدوء الحالي قد لا يستمر طويلاً.

وأضافت أن الغموض بشأن احتمالات تنفيذ ضربات أميركية على إيران يبقي الأسواق عرضة لتقلبات حادة، مع استمرار ميل المخاطر نحو ارتفاع الأسعار.

مخاوف الإمدادات تبقي الأسعار تحت الضغط الصعودي

ورغم التراجع الأخير، يرى محللون أن العوامل المرتبطة بالإمدادات لا تزال تشكل دعامة لأسعار النفط، خصوصاً في ظل المخاطر المحيطة بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.

وقالت بريانكا ساشديفا، رئيسة قسم تحليلات السوق في «فيليب نوفا»، إن تراجع الأسعار يعكس بدرجة كبيرة إعادة ترتيب المراكز الاستثمارية وإدارة المخاطر، وليس تحسناً ملموساً في أساسيات الإمدادات.

وفي مؤشر على توجهات تعزيز أمن الطاقة، أعلن وزير النفط السعودي ونظيره السنغافوري أن شركة «أرامكو» تعتزم بدء تخزين النفط الخام في سنغافورة خلال النصف الثاني من عام 2027، بهدف تعزيز مرونة سلاسل الإمداد في المنطقة.

من جانبه، حذّر فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، من أن أسواق الطاقة قد لا تعود خلال عام 2027 إلى الأوضاع التي كانت سائدة قبل الحرب على إيران، في إشارة إلى استمرار التداعيات المحتملة للصراع على منظومة الطاقة العالمية.

وفي الولايات المتحدة، أعلنت وزارة الطاقة السماح بسحب 400 ألف برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، للتعامل مع اضطراب الإمدادات في إحدى مصافي التكرير بولاية لويزيانا.

الطلب والمخزونات يحددان اتجاه السوق

وفي قراءة لتطورات السوق، قال خبير النفط والغاز محمد العناني إن تراجع أسعار الخامين جاء عقب موجة صعود قوية في نهاية الأسبوع الماضي، بعدما عزز المتعاملون مراكز الشراء تحسباً لاحتمالات التصعيد العسكري خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وأوضح أن استئناف التداولات في ظل غياب تطورات ميدانية جديدة دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم، ما أدى إلى تراجع الأسعار، مع استمرار حالة التذبذب بفعل المتغيرات السياسية والأمنية.

وأشار العناني إلى أن نتائج الاتصالات الدبلوماسية ستكون عاملاً أساسياً في تحديد الاتجاه المقبل للأسعار، إذ قد تدفع مؤشرات التهدئة الأسعار إلى الانخفاض، بينما يمكن لأي تصعيد جديد أن يعيد مخاوف نقص الإمدادات إلى الواجهة.

وعلى مستوى أساسيات السوق، لفت إلى أن التراجع السريع في المخزونات النفطية العالمية يعكس قوة الطلب، في حين قد تؤدي أعمال الصيانة الموسمية في عدد من المصافي الآسيوية إلى انخفاض صادرات المنتجات المكررة خلال الفترة المقبلة.

وأضاف أن الطلب على الوقود يتلقى دعماً من احتياجات الدول إلى تأمين إمداداتها قبل موسم الشتاء، إلى جانب تحسن النشاط الاقتصادي في الصين واستمرار الطلب القوي على الديزل، الذي لا تزال أسواقه تواجه نقصاً ملحوظاً.

كما أشار إلى أن التراجع الطفيف في الإنتاج الروسي، رغم طرح كميات من مخزونات الديزل الروسية في الأسواق العالمية، يبقي ملف الإمدادات ضمن أبرز العوامل المؤثرة في حركة الأسعار.

واختتم العناني بأن سوق النفط تبدو متوازنة نسبياً من حيث العرض والطلب، لكن التطورات الجيوسياسية تظل العامل الأكثر تأثيراً في المدى القريب، مع احتمالات تحركات سعرية حادة صعوداً أو هبوطاً تبعاً لمسار التوترات العسكرية ونتائج الجهود الدبلوماسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *