أليثا مارتينيز: أحلم بأبطال خارقين جزائريين ينافسون سوبرمان ووندر وومان
من رسومات بسيطة كانت ترسمها رغم اعتراض عائلتها، إلى صفحات القصص المصورة التي تحمل أسماء شخصيات شهيرة في عالم مارفل ودي سي، قطعت الفنانة الأميركية أليثا مارتينيز رحلة طويلة في صناعة الكوميكس، انتهت بحصولها على جائزة «إيسنر» المرموقة.
لكن الجزائر احتلت موقعاً خاصاً في هذه الرحلة. فمنذ زيارتها الأولى للبلاد عام 2018، بدأت مارتينيز تنظر إلى الجزائر كمصدر إلهام فني وثقافي، وصولاً إلى حلمها برؤية أبطال خارقين جزائريين يحملون قصصاً وهويات محلية ويجدون طريقهم إلى الجمهور العالمي.
عالم كوميكس بطابع جزائري
وخلال مشاركتها في الدورة الـ18 من المهرجان الدولي للشريط المرسوم في الجزائر العاصمة، التقت مارتينيز عدداً من الفنانين الشباب، وأبدت إعجابها بالتجارب الجديدة التي يقدمونها ومحاولاتهم تطوير أساليب فنية خاصة بهم.
وترى الفنانة الأميركية أن صناعة القصص المصورة في الجزائر تملك فرصة لبناء عالمها الخاص، مستفيدة من المواهب الشابة والثقافة المحلية الغنية.
وتستحضر مارتينيز في هذا السياق بدايات مارفل ودي سي، عندما كان الفنانون يتعاونون ويتبادلون الأفكار بحثاً عن شخصيات وقصص جديدة.
وتقول إن طموحها يتمثل في أن يتمكن الفنانون الجزائريون من ابتكار أبطال خارقين يحملون هويتهم المحلية، على غرار «سوبرمان» و«وندر وومان»، لكن بشخصيات جزائرية وقصص تنطلق من المجتمع المحلي.
الكوميكس لتغيير صورة أفريقيا
ولا ترى مارتينيز القصص المصورة مجرد وسيلة للترفيه، بل تعتبرها أداة قادرة على تقديم صورة مختلفة عن الشعوب والثقافات.
وترى أن معرفة الأميركيين بأفريقيا لا تزال محدودة، مشيرة إلى أن كثيرين لا يعرفون معلومات كافية عن الجزائر، بل إن بعضهم لا يدرك أنها دولة أفريقية.
ومن هنا جاءت رغبتها في إدخال عناصر جزائرية إلى أعمالها، خصوصاً في الخلفيات والتفاصيل البصرية، مستفيدة مما شاهدته خلال زياراتها إلى الجزائر العاصمة.
وبالنسبة إليها، يمكن للفنان أن يقدم ثقافته إلى العالم من خلال التفاصيل الصغيرة، حتى عندما لا تكون الثقافة المحلية هي الموضوع الرئيسي للقصة.
رحلة من مارفل إلى «إيسنر»
وخلال مسيرتها المهنية، عملت مارتينيز في مشاريع مرتبطة بعالم مارفل، وشاركت في أعمال تناولت شخصيات معروفة، بينها «آيرون مان» و«بلاك بانثر»، كما عملت في مشاريع مرتبطة بعالم دي سي.
وفي عام 2018، حصلت على جائزة «إيسنر»، إحدى أهم الجوائز في مجال القصص المصورة.
وتروي مارتينيز أن الفوز بالجائزة جاءها بصورة مفاجئة، إذ كان محررها هو من رشح العمل للمنافسة، بينما كانت هي منشغلة بمشروع آخر ولم تكن حاضرة لحظة إعلان النتيجة.
وبحسب روايتها، تولى أحد محرريها استلام الجائزة، فيما احتفى فريق العمل في مارفل بالإنجاز.
خلاف عائلي بسبب الرسم
وراء هذا النجاح مسيرة لم تكن سهلة. فقد واجهت مارتينيز في بداياتها رفضاً من عائلتها التي كانت ترى أن الرسم ليس خياراً مهنياً آمناً، خصوصاً بالنسبة إلى مهاجرة تسعى لبناء مستقبلها في الولايات المتحدة.
وكانت عائلتها تفضل لها مساراً مهنياً تقليدياً مثل الطب أو القانون أو الهندسة، لكن مارتينيز اختارت الاستمرار في الرسم، وهو ما أدى إلى خلافات وصلت في مرحلة ما إلى انقطاع التواصل بينها وبين أفراد من عائلتها لسنوات.
وتقول إن هذا الانقطاع استمر حتى قرابة عام 2016، قبل أن تبدأ العلاقات العائلية بالعودة تدريجياً.
ورغم الصعوبات، لم تتخل عن الفن، بل حولت تجربتها الشخصية إلى درس تكرره أمام طلابها في مدرسة الفنون البصرية بمدينة نيويورك.
نصيحة واحدة للفنانين الشباب
وخلال الورشة التي قدمتها في معرض «فيبدا»، وجهت مارتينيز نصيحة مباشرة إلى الشباب المهتمين بالقصص المصورة: ارسموا كل يوم.
وتوضح أن الفنان لا يحتاج دائماً إلى إنجاز عمل كبير؛ فقد يكون التدريب اليومي مجرد رسم بسيط، لكن الاستمرارية هي التي تبني المهارة والانضباط.
وتفرق مارتينيز بين الانضباط والقدرة على التحمل؛ فالانضباط، بالنسبة إليها، هو الالتزام بالعمل، بينما تعني القدرة على التحمل الاستمرار في الطريق حتى عندما تكون الظروف صعبة أو لا تسير الأمور كما يريد الفنان.
«المجتمعات تُتذكر بفنها»
وترى مارتينيز أن الفن لا يوثق القصص فحسب، بل يمكن أن يصبح جزءاً من ذاكرة المجتمع وهويته.
ومن هذا المنطلق، تعتبر أن صناعة القصص المصورة المحلية قادرة على منح الأجيال الجديدة شخصيات تعبر عنها، بدلاً من الاكتفاء باستيراد الأبطال والقصص من الخارج.
كما أبدت استعدادها للعودة إلى الجزائر مستقبلاً، مشيرة إلى إمكانية أن تكون زيارتها المقبلة أوسع نطاقاً، وربما برفقة ابنها مايكل فولستون، الذي تقول إنه نشأ إلى حد كبير في الجزائر العاصمة.
مشروع جديد في الأفق
مهنياً، تستعد مارتينيز للكشف عن مشروع جديد خلال «نيويورك كوميك كون»، في خطوة ستحدد وجهتها التالية بعد أعمالها السابقة.
وبين نيويورك والجزائر، تبدو تجربتها الفنية قائمة على قناعة واحدة: القصص المصورة ليست مجرد عوالم خيالية أو مغامرات لأبطال خارقين، وإنما يمكن أن تكون وسيلة لحفظ الذاكرة وتقديم الهوية والثقافة إلى جمهور عالمي.
ويبقى حلمها الأكبر أن يأتي يوم يظهر فيه من الجزائر بطل خارق يحمل ملامح المجتمع الجزائري وقصصه، ويجد لنفسه مكاناً بين الشخصيات الأشهر في عالم الكوميكس.











