العراق يفتح جبهتين لاستعادة هيبة الدولة.. حصر السلاح ومكافحة الفساد في مسار واحد

لم يعد الحديث في بغداد يقتصر على ملف أمني أو اقتصادي منفصل، بل بات يدور حول مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة، إذ تخوض الحكومة العراقية مسارين متوازيين؛ الأول لحصر السلاح بيد الدولة، والثاني لمكافحة الفساد، في محاولة لاستعادة هيبة المؤسسات وترسيخ سيادة القانون.

ويأتي هذا التحرك في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، أعادت طرح ملف العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، بالتزامن مع تصاعد المطالب الشعبية بإصلاح المؤسسات ومحاسبة المتورطين في قضايا الفساد.

ويُعد ملف السلاح خارج إطار الدولة من أكثر القضايا تعقيداً في العراق منذ عام 2003، بعدما أسهم تعدد الفصائل المسلحة في نشوء مراكز قوة موازية للمؤسسات الرسمية، ما انعكس على القرارين الأمني والسياسي.

وخلال الأسابيع الماضية، ظهرت مؤشرات على تغير في هذا الملف، بعد إعلان عدد من الفصائل استعدادها لإعادة تنظيم علاقتها بالدولة والعمل ضمن الأطر الرسمية، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على توجه لتعزيز احتكار الدولة لاستخدام القوة، فيما لا تزال فصائل أخرى تتمسك بسلاحها باعتباره جزءاً من معادلة الردع.

وتؤكد الحكومة العراقية أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أحد أبرز أولوياتها، باعتباره أساساً لتعزيز الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات، في وقت حظي هذا التوجه بدعم قوى سياسية عدة، من بينها الإطار التنسيقي، الذي شدد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، وأن أي نشاط مسلح خارج المؤسسات الرسمية يتعارض مع مبادئ الدولة الدستورية.

كما رحبت الولايات المتحدة بالخطوات الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة، معتبرة أن تنظيم ملف السلاح يسهم في ترسيخ الاستقرار ودعم مؤسسات الدولة.

وبالتوازي مع الملف الأمني، أطلقت الحكومة، بدعم من مجلس القضاء الأعلى، عملية “صولة الفجر”، التي تُعد من أوسع الحملات لمكافحة الفساد خلال السنوات الأخيرة.

وأكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن العملية تمثل بداية لمسار طويل يهدف إلى استعادة الأموال العامة ومحاسبة المتورطين، مشدداً على أن الفساد لن يحظى بأي غطاء سياسي أو إداري، وأن مؤسسات الدولة لن تكون ملاذاً لإهدار المال العام.

وشملت المرحلة الأولى إصدار أوامر قبض بحق مسؤولين وموظفين حكوميين وأعضاء حاليين وسابقين في مجلس النواب، بالتنسيق بين مجلس القضاء الأعلى وهيئة النزاهة والأجهزة الأمنية، فيما أعلنت السلطات القبض على 47 متهماً مع استمرار التحقيقات في ملفات أخرى.

وفي هذا السياق، لعب القضاء العراقي دوراً محورياً في إدارة ملفات الفساد، إذ بدأت التحقيقات منذ عام 2025 في قضية وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، قبل أن تتوسع التحقيقات بإشراف محكمة مكافحة الفساد، وصولاً إلى إطلاق عملية “صولة الفجر”، التي أسفرت عن توقيف عدد من النواب بعد رفع الحصانة عنهم.

وبحسب مصادر مطلعة، أكد رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، خلال اجتماع الرئاسات الأربع، أنه “لا خطوط حمراء” في مكافحة الفساد، مشدداً على أن القضاء مستمر في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق جميع المتورطين.

وترى الحكومة أن ملفي السلاح والفساد يمثلان وجهين لأزمة واحدة، إذ إن وجود السلاح خارج سلطة الدولة يحد من قدرة المؤسسات على فرض القانون، فيما يؤدي الفساد إلى إضعافها من الداخل، ما يجعل نجاح أحد المسارين مرتبطاً بالآخر في إطار مساعي بغداد لإعادة بناء الدولة وتعزيز سيادة القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *