عصر “الخوارزميات الفتاكة”: كيف يواجه العقل الإلكتروني “ضباب الحرب” التقليدي؟

أكد الدكتور محمود نديم نحاس، الخبير الدولي في الذكاء الاصطناعي، أن العالم يشهد انتقالاً تاريخياً من عصر “القوة الميكانيكية” إلى عصر “الخوارزميات الفتاكة”. وفي حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، أوضح أن الانتصار في حروب المستقبل لن يُحسم بكثافة النيران، بل بقدرة الأنظمة الذكية على معالجة البيانات وتحليل المواقف المعقدة في أجزاء من الثانية.

السيادة الرقمية: العقل يدير المشهد

يرى الدكتور نحاس أن مفهوم السيادة تطور من “قوة الذراع” إلى “دقة العين” (المستشعرات)، ليصل اليوم إلى “العقل الإلكتروني”. هذا التحول جعل من الممكن لخوارزمية برمجية واحدة أن تشل قدرات جيش بأكمله دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة، حيث تحولت مراكز البيانات إلى ساحات القتال الحقيقية.

عبقرية الماضي في قالب المستقبل

في مقاربة فريدة، ربط نحاس بين استراتيجيات خالد بن الوليد في المباغتة وبين قدرة الذكاء الاصطناعي على تفتيت “ضباب الحرب” (عدم اليقين). ومع ذلك، حذر من نشوء “ضباب رقمي” جديد، حيث قد تتخذ الآلات قرارات معقدة يعجز البشر عن تفسيرها أو تبريرها أخلاقياً.

ملامح “المنظومة الذكية” في الميدان:

فصّل الخبير الدولي مفاصل تغطية الذكاء الاصطناعي للعمل العسكري في عدة نقاط:

  • التحليل الفائق: معالجة ملايين صور الأقمار الاصطناعية في ثوانٍ وتصنيف الأهداف بدقة متناهية.

  • الأنظمة المستقلة: غواصات وآليات برية تعبر التضاريس الانتحارية دون تعريض حياة الجنود للخطر.

  • الاستباق الذكي: بناء نماذج محاكاة تتوقع خطوات العدو، لتحويل الاستراتيجية من “رد الفعل” إلى “الفعل الاستباقي”.

  • الدفاع فرط الصوتي: نظراً لعجز العقل البشري عن مواجهة الصواريخ التي تفوق سرعة الصوت بخمس مرات، أصبحت أنظمة الدفاع الذكية هي الدرع الوحيد القادر على اتخاذ قرار الاعتراض اللحظي.

“ذكاء الأسراب” واللوجستيات المؤتمتة

تحدث نحاس عن ثورة المسيّرات الانتحارية التي قلبت موازين التكلفة؛ فالمسيّرة الرخيصة باتت تستنزف صواريخ دفاعية باهظة. كما أشار إلى مفهوم “ذكاء الأسراب” المستوحى من الطبيعة، حيث تهاجم مئات المسيّرات ككتلة واحدة تعيد تنظيم نفسها تلقائياً. وفي الجانب اللوجستي، باتت الخوارزميات هي “المدير الجديد” الذي يؤمن سلاسل الإمداد ويحمي الجنود من الكمائن عبر مركبات ذاتية القيادة.

تحديات أخلاقية وحروب نفسية “هجينة”

أبدى الدكتور نحاس قلقاً عميقاً من ثلاثة محاور رئيسية:

  1. المسؤولية الأخلاقية: غياب “الإنسان في الحلقة” عند اختيار الأهداف يطرح تساؤلاً قانونياً: من هو مجرم الحرب عند وقوع خطأ آلي؟

  2. التزييف العميق: استخدام الفيديوهات المزيفة لقادة عسكريين كأداة لكسر الروح المعنوية وإنهاء الحروب نفسياً.

  3. تجريد الحرب من الإنسانية: تحول البشر في نظر القادة خلف الشاشات إلى مجرد “نقاط رقمية”، مما يسهل قرار القتل نفسياً ويقلل الوازع الأخلاقي.

صراع الرقائق: سلاح العصر الجديد

خلص الخبير الدولي إلى أن أشباه الموصلات (Chips) والرقائق الإلكترونية أصبحت تعادل في قيمتها الاستراتيجية الصواريخ النووية. وأكد أن الاستقلال البرمجي ضرورة قومية؛ لأن الاعتماد على خوارزميات أجنبية يعني تسليم “مفاتيح السيادة” للدول المصنعة.

الخلاصة: المستقبل سيكون لمن يمتلك الخوارزمية الأذكى، لكن البقاء سيكون لمن يملك الحكمة للتحكم في هذه الآلة، فالذكاء الاصطناعي يفتقر إلى الرحمة والتقدير السياسي الذي يميز القائد البشري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *