“الهيدورة”.. حرفة مغربية تقاوم الاندثار بين ذاكرة العيد وتحولات العصر
في صباحات عيد الأضحى بالمغرب، كانت أسطح المنازل تمتلئ بمشاهد الجلود الممددة تحت الشمس، فيما تنشغل النساء بتنظيفها وتمليحها لصناعة “الهيدورة”، تلك الزربية التقليدية المصنوعة من جلد الأضاحي، والتي ارتبطت لعقود بذاكرة البيوت والمساجد المغربية.
وكانت الجلود تُعرف قديماً بـ”الذهب الأبيض”، لما تمثله من قيمة اقتصادية واجتماعية، حيث تتحول بقايا الأضحية إلى منتج تقليدي يُستخدم داخل المنازل وأماكن الصلاة، في طقس متوارث جيلاً بعد جيل.
وفي مدينة كلميم جنوب المغرب، لا تزال بعض العائلات تحافظ على هذا التقليد رغم تراجع حضوره في السنوات الأخيرة. وتبدأ مراحل صناعة “الهيدورة” بتنظيف الجلد وتمليحه، ثم تجفيفه تحت أشعة الشمس لأسابيع قبل استخدامه.
ورافقت “العربية.نت” و”الحدث.نت” جامع الجلود عبدالله، الذي يجوب أزقة المدينة بعربته البسيطة منذ صباح العيد بحثاً عن جلود الأضاحي، في مشهد كان مألوفاً في الأحياء المغربية لعقود طويلة.
ويقول عبدالله إن مهنة جمع الجلود كانت تشكل مصدر رزق موسمي للكثيرين، حيث تُباع الجلود لاحقاً للمدابغ أو للحرفيين المختصين بصناعة “الهيدورة”، إلا أن الإقبال تراجع بشكل كبير مع تغير أنماط العيش واختفاء كثير من الحرف التقليدية.
من جهتها، تؤكد فاطمة، وهي سيدة ورثت الحرفة عن جدتها، أن صناعة “الهيدورة” كانت جزءاً أساسياً من طقوس العيد داخل البيوت المغربية، مشيرة إلى أن النساء كن يجتمعن لتنظيف الجلود وتمليحها وتحويلها إلى فرش تقليدي يُستخدم في البيوت والمساجد.
أما إبراهيم، أحد الحرفيين في المنطقة، فيوضح أن هذه المهنة كانت قبل سنوات توفر دخلاً لعشرات الأسر، لكن المنتجات العصرية والزرابي الحديثة قللت من الطلب على “الهيدورة” بشكل واضح.
ويرى عزيز أحلوى، الباحث في الأنثروبولوجيا بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن اختفاء “الهيدورة” يعكس تحولات اجتماعية وثقافية عميقة في المجتمع المغربي، موضحاً أن الزرابي الحديثة وسهولة استعمالها ساهمتا في تراجع حضور الصناعات التقليدية المرتبطة بالجلود.
وأضاف أن مشاهد جمع الجلود التي كانت تملأ الأحياء الشعبية اختفت تدريجياً، وأصبحت الجلود تُرمى قرب حاويات النفايات، ما يخلق أحياناً مشاكل بيئية، في وقت باتت فيه الأجيال الجديدة أقل ارتباطاً بالموروث التقليدي الذي كان جزءاً من هوية العيد المغربية.









